اعتلالات القلب الخلقية


يحدث أحياناً خلل في تكوين القلب لدى الأجنة مما يسبب اعتلالات قلب خلقية لدى حديثي الولادة وتعتبر هذه الاعتلالات مسبباً رئيسياً لوفيات الرضع. قد تتراوح هذه الاعتلالات في خطورتها من عرضية إلى مميتة حسب الخلل الحاصل وقد لا تظهر حتى سن البلوغ.

مسببات اعتلالات القلب الخلقية

لا يوجد دليل واضح على مسبب هذه الاعتلالات إلا أنه يمكن تلخيص عدد من العوامل التي تؤثر على الأم الحامل خلال تطور الجنين، ومنها:

  • إصابة الأم بسكري الحمل.
  • تعرض الحامل للأشعة.
  • العدوى الفيروسية خلال شهور الحمل الأولى (كفيروس الحصبةالألمانية).
  • تناول الحامل لأدوية ضارة بالجنين (مثل الوارفيرين والبروجستيرون).
  • حمل الأم على عمر متأخر، قد يؤدي إلى حدوث خلل جيني (مثل متلازمة داون).
  • سبب وراثي، وذلك بوجود تاريخ عائلي لاعتلالات القلب الخلقية.

أعراض اعتلالات القلب الخلقية

تتراوح الأعراض حسب نوع الاعتلال وشدته، بعض الأنواع تكون خفيفة ولا يكون هناك أي أعراض للطفل حتى سن البلوغ. وحالات أخرى تكون أكثر شدة تظهر عند الولادة (أو حتى خلال الحمل).

تتلخص أعراض اعتلالات القلب الخلقية كالتالي:

  • صعوبة التنفس والتعب، خاصة بعد بذل مجهود بدني، مثل الرضاعة للصغار أو الرياضة للأطفال.
  • انتفاخات بالجسم، الرجلين أو الظهر أو حول العينين.
  • ازرقاق الوجه والشفاف، وذلك بفعل نقص الأكسجين.
  • سرعة نبضات القلب.
  • ضعف النمو، فيكون وزن الطفل خفيف أوأقل من هو متوقع لعمره.
  • مشاكل بالرضاعة، وذلك يكون ضعف عملية المص أو الحاجة الطفل لتوقيف الرضاعة تكراراً.

 

ملاحظة: تعتبر سرعة نبضات القلب سريعة للأطفال حديثي الولادة، وهو أمر طبيعي وضروري لنمو الطفل المولود حديثاً (ممكن أن تصل إلى ١٦٠ نبض/الدقيقة). في حال ملاخظتك ارتفاع سرعة نبضات القلب لطفلك، يجب قياسها واستشارة الطبيب إذا كانت من ضمن الطبيعي أم لا. في حال إثبات بأنها غير طبيعية، يتم تقييم الطفل والبحث عن مسبب.

لمعرفة المزيد عن النبض الطبيعي للقلب، اقرأ المقال (المعدل الطبيعي لنبضات القلب).

تشخيص اعتلالات القلب الخلقية

التشخيص قبل الولادة:

إنه لمن الصعب تشخيص اعتلالات القلب قبل الولادة، ولكن ذلك ممكن في حالات نادرة.  ويتم ذلك عند تقييم طبيب النسائية لأصوات الجنين واكتشاف أن نبضاته غير طبيعية، عندها يمكن طلب صورة رباعية الأبعاد للجنين، تساعد على تشخيص التشوهات الخلقية خلال الحمل.

التشخيص بعد الولادة:

ممكن ظهور أعراض الاعتلال بعد فترة وجيزة من الولادة أو بعد مدى أطول وقد لا تظهر حتى سن البلوغ. لكن مع الأسف يوجد تشابه بين أعراض الاعتلالات الخلقية القلبية والأمراض التنفسية مما قد يصعب عملية التشخيص ويؤدي الى تأخره.

بعد اشتباه وجود اعتلالات مرضية، يتم تشخيص المرض بإجراء فحص صورة تلفزيونية للقلب، وبحيث توضح هذه الصورة أجزاء القلب المختلفة وتبيّن وجود اعتلالات فيها.

أنواع اعتلالات القلب الخلقية

تنقسم الاعتلالات القلبية حسب حصول نقص أكسجين في الدم، فتنقسم إلى قسمين رئيسين: اعتلالات إزرقاقية، أو لا إزرقاقية.

الاعتلالات ازرقاقية هي التي تنتج عن مشكلة في أكسدة الدم بسبب اعتلال القلب. فإن اعتلال القلب يؤدي إلى عدم مرور الدم من الرئتين، مما يمنع من أكسدته (الدم غير المؤكسد يكون لونه أزرق).

أما الاعتلالات لا ازرقاقية، فلا يكون هناك مشكلة في أكسدة الدم، بل المشكلة تكمن بأنه يحدث تغيير في مسار ضخ الدم من القلب. فيضخ القلب جزء من الدم إلى الدورة الدموية، أما الجزء الآخر فيتم إرجاعه إلى القلب ليتم إعادة ضخه مرة أخرى. مع مرور الوقت، يضعف أداء عضلة القلب وقد يؤدي إلى فشل القلب.

وسيتم تفصيل كل نوع على النحو التالي:

اعتلالات لا إزرقاقيه:

غالباً لا يكون هناك ازرقاق. بل يكون هناك علامات ضعف تدريحي في أداء القلب، وقد تتأخر ظهور الأعراض لسنوات طويلة. التالي بعض من الأنواع الشائعة:

  • ثقب الحاجز البطيني Ventricular septal defect

هو أشيع أنواع اعتلالات القلب حدوثاً، يحدث ثقب للحاجز الفاصل بين البطينين، فينتقل الدم بفعل الضغط من البطين الأيسر الى البطين الأيمن. يؤدي ذلك إلى إجهاد القلب وتعب العضلة تدريجياً.

 تختلف شدة المرض حسب حجم الثقب، ممكن أن يكون له تأثير خفيف أو شديد، فيقدر بأن 50% تأتي خفيفة، وتتعافى تلقائياً من غير ضرورة تدخل طبي. أما الحالات الشديدة، قد تؤدي إلى مضاعفات كارتفاع ضغط الدم الرئوي وفشل الجهة اليمنى من القلب (متلازمة إيزينمنغر).

  • ثقب الحاجز الأذيني Atrial septal defect

وهو يشبه ثقب الحاجز البيطيني ولكنه يصيب الأذين، فيكون الاعتلال نتيجة ثقب بين الأذينين. فيؤدي إلى انتقال للدم – بسبب فرق الضغف – من الأذين الأيسر إلى الأذين الأيمن.

وهو يعتبر من أبسط أنواع اعتلالات القلب، فبسبب تأثيراته الخفيفة على طفل، قد يتأخر تشخيصه حتى سنوات لاحقة من الولادة. عند ظهور الأعراض (كعدم تحمل الإجهاد وصعوبة التنفس). يحدث التئام تلقائي للحالات البسيطة، ولكن ممكن أن تحتاج الى تدخل طبي للمعالجة في حالة الثقوب الكبيرة.

  • القناة الشريانية السالكة Patent ductus arteriosus

في الأجنة الطبيعية، تتشكل قناة واصلة بين الشريان الرئوي والأبهر وتنغلق بعد الولادة. في حال عدم انغلاقها تسبب ما يعرف بـ القناة الشريانية السالكة وتعتمد التباعات المرضية على حجم القناة.

وهو اعتلال يظهر غالباً للأطفال حديثي الولادة، خاصة مواليد المناطق المرتفعة. قد لا تحدث أي اعراض ويتم اكتشافها بالصدفة. إلا في الحالات الشديدة حيث يتسبب بتضخم القلب واحتقان رئوي إضافة الى زيادة التعرض لالتهابات القلب البكتيرية.

  • تضيق الشريان الأبهر Coarctation of aorta

الأبهر هو الشريان الرئيسي في الجسم، الذي يبدأ مجراه من القلب ويصعد إلى الأعلى ليغذي الجزء العلوي من الجسم. ثم – يلتف داخل الصدر- لينزل إلى الأسفل، فيغذي الجزء السفلي من الجسم.

تضيق الشريان الأبهر يحدث نتجية تليف في جدار هذا الشريان. يؤدي هذا التضيق إعاقة سير الدم في الدورة الدموية. فيحصل سوء توزيع للدم في الجسم، بحيث يصل الدم للأطراف العليا أسرع من السفلى، مما يسبب اختلاف في قياس النبض والضغط بين الجزء العلوي والسفلي للجسد.

اعتلالات إزرقاقيه:

وهو النوع الذي يؤدي مشكلة بالأكسدة، فيسبب ذلك نقص بالاكسجين والازرقاق. التالي بعض من الأنواع الأكثر شيوعاً:

  • رباعية فالو Tetralogy of Fallot

وهو الاعتلال الأشهر بين الاعتلالات الإزرقاقية، ويحدث فيه خلل في تطور الغشاء الفاصل بين الشرايين الرئيسية وتتألف من أربعة اختلالات خلقية هي تضيق الصمام الرئوي، وتشوه الحاجز البطيني، وتضخم البطين الأيمن وتموضع الشريان الأبهر فوق البطينين (يعرف بتمطي الأبهر).

تسبب رباعية فالو بنوبات ازرقاق بفعل ضعف فعالية الجزء الأيمن من القلب، خاصة مع الجهد أو البكاء. وقد تتعقد الحالة مسببة خراجات وتخثرات دماغية والتهابات قلبية. وهي من الاعتلالات الشديدة التي تعالج جراحياً وقد يستمر خطر حدوث مضاعفات حتى بعد الجراحة.

  • اعتلالات تموضع الأوعية الرئيسة Transposition of great vessels

الخلل هنا يكون متعلق بالشرايين الرئيسية المتصلة بالقلب، فمثلاً يتصل الشريان الأبهر بالبطين الأيمن (بدل الأيسر)، ويرتبط الشريان الرئوي بالبطين الأيسر (بدل الأيمن). يؤدي ذلك إلى عكس الدورة الدموية بشكل كامل، وهو اعتلال شديدة وله تأثير كبير على الدورة الدموية، فقد يؤدي إلى الوفاة المبكرة للأطفال.

  • اعتلالات تكون حجرات القلب Hypoplastic left ventricle

وهي اعتلالات التي تصيب حجرات القلب، فمثلاً قد يكون هناك اعتلال بتكون البطين الأيسر، فيؤدي إلى تعطيل الدورة الدموية. على الرغم من ندرتها إلا أنها تسبب 90% من حالات وفيات الرضع من اعتلالات القلب.

لمعرفة المزيد عن الشكل الطبيعي للقلب، اقرأ المقال (أجزاء القلب ومن ماذا يتكون).

علاج اعتلال القلب الخلقية

الكشف المبكر والتدخل السريع في هذه الاعتلالات ضروري لمنع حدوث المضاعفات والوفاة. يعتمد العلاج على طبيعة الاعتلال وعمر الطفل المصاب.

الحالات الخفيفة التي تكون مصحوبة باعتلال خفيف (مثل ثقب الأذين)، يمكن أن تلتأم لوحدها من غير علاج. حالات أخرى تستدعي إعطاء علاج دوائي يساعد في حل المشكلة (مثلاً في حالات اعتلال القناة الشريانية السالكة، ويتم إعطاء علاج – يدعى الايندومثسين – يعمل على تسكير القناة وعلاج المشكلة بشكل جذري ومن غير ضرورة إجراء عملية.

أما الحالات الأكثر شدة (خاصة الاعتلالات الازرقاقية)، تستدعي عادة إجراء عملية جراحية، لتصحيح الاعتلال، وتحسين عمل القلب.

مرضى اعتلال القلب هم أكثر عرضة للمضاعفات حتى بعد العلاج (مثل إجراء عملية جراحية). فيجب على مريض اعتلالات القلب المتابعة الدورية مع طبيب القلب، وذلك لاتباع الإجرءات الوقائية وتجنب المضاعفات.

الوقاية من اعتلال القلب الخلقية

معظم نصائح الوقائية هي متعلقة بالأم، وخاصة الظروف التي تسبق أو خلال الحمل. ينصح بـ:

الوقاية قبل الحمل:

  • يتم الحمل على عمر مبكر، وتجنب الحمل على عمر متأخر.

أخذ المطعوم المخصص للحصبة الألمانية.

الوقاية خلال الحمل:

  • تجنب الأم الحامل التعرض لأي أدوية ضارة بالجنين. واستشارة الطبيب قبل البدء بأي دواء خلال الحمل.
  • تجنب التعرض لأشعة خلال الحمل (مثل التصوير الأشعة).
  • أخذ الحيطة والحذر من التعرض للجراثيم، وخاصة التهابات الفيروسية (مثل الحصبة).
  • خلال الحمل، ينصح المتابعة الدورية خلال الحمل، وذلك للتأكد من مستوى السكر وضبط مستواه. لما لذلك فائدة على الوقاية من مضاعفاته الجنينية.
  • المتابعة مع طبيب النسابة وإجراء الفحوصات والصور الجنينية التشخيصية لمشاكل اعتلالات القلب، خاصة للمرضى الذي لديهم أفراد بالعائلة مصابين باعتلالات القلب.

نهاية، للاعتلالات القلبية الخلقية أنواع مختلفة قد تظهر أثناء الطفولة أو في وقت لاحق وتتفاوت في خطورتها. لكن الطب الحديث قادر على كشف ومعالجة العديد منها مما يسمح للطفل بالنجاة ومتابعة حياته.  

المراجع العلمية:


– Essential medicine, Read & Jones, international student edition, chapter1
– Cecil essentials of medicine 7th edition, Andreol and Carpenter, Elsevier, chapter 7
– Robins basic pathology 7th edition, kumar et al., Elsevier, chapter 11
– Cardiology 3rd edition ,D.G Julian,chapter 12
– “Congenital Heart Disease: Types, Symptoms, Causes, And Treatment”.Healthline, 2020, https://www.healthline.com/health/congenital-heart-disease.
– Current pediatric diagnosis and treatment, Hay et.al., 12thedition, chapter 21
– “Congenital Heart Disease”.Uk, 2020, https://www.nhs.uk/conditions/congenital-heart-disease/.

كانت الصفحة مفيدة؟

تفاصيل المؤلف

اسم المؤلف:

تاريخ الإنشاء:

تاريخ آخر تعديل:

د.دانا الحياني, بموافقة لجنة الأطباء

٢١ / ٠٩ / ٢٠٢٠

٠٤ / ١٠ / ٢٠٢٠


مشاركة الصفحة